شهدت بغداد حملة اعتقالات واسعة لمسؤولين متهمين بالفساد، أثارت تساؤلات حول حقيقتها وتأثيرها المستقبلي. يرى محللون أن هذه التحركات قد تكون مرتبطة بدوافع سياسية لكسب تأييد خارجي، وأن التصعيد الأمني غير مرجح ما لم تتضارب المصالح. يبقى الأمل معلقاً على إصلاحات بنيوية حقيقية تتجاوز مجرد الاعتقالات.
النقاط الأساسية
اعتقال 47 مسؤولاً بتهم فساد كبرى في بغداد، وسط تحركات عسكرية نحو المنطقة الخضراء.
المحلل السياسي يرى أن الحملة قد تكون لكسب تأييد أمريكي وليست بالضرورة تغييرًا جذريًا.
المواطن العراقي قد لا يستفيد بشكل مباشر، والأمل يتطلب إصلاحات بنيوية حقيقية.
شهدت العاصمة العراقية بغداد خلال الأيام القليلة الماضية تطورات أمنية وسياسية متسارعة، وصفت بأنها الأقوى في ملف مكافحة الفساد. فقد تحركت القوات الأمنية والمدرعات العسكرية باتجاه المنطقة الخضراء ومحيطها، بالتزامن مع صدور أوامر قبض وتنفيذ اعتقالات شملت 47 مسؤولاً ونواباً حاليين وسابقين متورطين في قضايا فساد كبرى ونهب للمال العام.
هذه الخطوة الجريئة من رئيس الوزراء الحالي علي فالح الزيدي أثارت لغطاً واسعاً في الشارع العراقي، ودعت إلى التساؤل عما إذا كان العراق يمر بـ “ثورة” حقيقية قادرة على تفكيك شبكات الدولة العميقة والميليشيات، أم أنها مجرد جولة جديدة من الصراع السياسي وإعادة ترتيب أوراق النفوذ.
لمناقشة هذه الملفات الساخنة، استضافت منصة “لنا” المحلل السياسي محمد زنكنة، ليقدم قراءة تحليلية معمقة حول خلفيات هذه الحملة، ارتداداتها الأمنية، ومستقبل المواطن العراقي في ظل هذه المتغيرات.
التوقيت والدوافع.. حِراك حقيقي أم مناورة سياسية مكررة؟
عند سؤال الأستاذ محمد زنكنة عما إذا كان اعتقال هذا العدد الكبير من المسؤولين ودخول المدرعات للمنطقة الخضراء يمثل بداية النهاية للدولة العميقة، أشار إلى ضرورة قراءة المشهد من زاوية التاريخ السياسي القريب للعراق.
يرى زنكنة أن هذا السيناريو ليس جديداً على العراقيين، حيث قال:
Advertisement
“هذا السيناريو تعودنا عليه مع تشكيل كل حكومة، منذ حكومة المالكي الأولى والثانية، وصولاً إلى حكومة الزيدي. دائماً ما تُعلن مجالس لمكافحة الفساد والقضاء عليه، ولكن بعد ذلك يتم عقد صفقات سياسية يخرج من خلالها المعتقلون بدون قيود أو شروط، بل يخرج بعضهم معززاً مكرماً.”
وأضاف زنكنة موضحاً المسار التقليدي لهذه الأزمات:
“تؤخذ لهؤلاء المعتقلين فترة راحة خارج البلاد، ثم يعودون للمشاركة في العملية الانتخابية كشركاء سياسيين، بعد أن كانوا نداً لرئيس الحكومة.”
وحول الخطوات الأخيرة التي اتخذها الزيدي، يرى زنكنة أنها حركت المياه الراكدة لكن بدوافع قد ترتبط برغبة في كسب تأييد خارجي:
“هذه الحركة نعم شكلياً هي حركة جميلة جداً وكان العراقيون بانتظارها منذ فترة طويلة، والجميع يترقب ما ستؤول إليه هذه الاعتقالات. ولكن، أعتقد أن الزيدي يريد تبييض صورته أمام الجانب الأمريكي، خصوصاً أن المصرف الذي كان يملكه (هو وشقيقه) عليه الكثير من علامات الاستفهام، لا سيما في مسائل تبييض الأموال”
وخلص زنكنة في هذا المحور إلى أن الخطوة بالرغم من قانونيتها ودستوريتها، إلا أنها قد تكون لإرضاء الجانب الأمريكي وإنهاء أوراق بعض الشركاء الذين انتهى دورهم، وبالتالي لا يمكن التعويل عليها كثيراً لإحداث تغيير جذري.
مع دخول المدرعات إلى قلب بغداد واعتقال شخصيات نافذة، تزايدت المخاوف من رد فعل مسلح من الفصائل والميليشيات المتغلغلة في جسد الدولة. إلا أن للمحلل السياسي محمد زنكنة رؤية مختلفة تستبعد حدوث صدام شامل في الوقت الحالي.
يقول زنكنة حول احتمالية التصعيد:
Advertisement
“لا أعتقد أن التصعيد الأمني سيكون بهذه القوة، لأن الميليشيات لا تريد الدخول في جدال وسجال -سواء كان سياسياً أو مسلحاً- مع الولايات المتحدة أو مع المنظومة الدفاعية العراقية.”
وعوضاً عن المواجهة المباشرة، يشير زنكنة إلى الاعتماد على استراتيجية التضحية ببعض الرؤوس:
“هناك أكباش فداء كثيرة تم التضحية بهم، بدءاً من القيادي الذي اعتقل في إسطنبول بإنزال جوي أمريكي، وصولاً إلى هؤلاء المسؤولين الحاليين. أكباش الفداء سوف تزيد وبشكل رهيب جداً.”
لو لم تفرض الولايات المتحدة قيودا صارمة وعقوبات على تهريب الأموال إلى خارج #العراق؛ لكانت هذه المليارات في إيران وعدد من العواصم العربية والأجنبية…
“المصالح عندما تتضارب، نعم سوف يحصل تصعيد أمني. هذه الحملات بدأها الزيدي وأُيِّد عليها، ثم عادت الأمور لتأخذ شكلها الحقيقي بالندية بين الميليشيات ورئيس الحكومة. عندما تتعارض المسؤوليات والمصالح، فمن المتوقع جداً أن نشهد الكثير من الصراعات المسلحة بين الميليشيات والمنظومة الدفاعية العراقية.”
الشارع العراقي وبناء الأمل.. هل يدوم الفرح؟
في ظل الأزمات المعيشية والاقتصادية الخانقة التي يعاني منها المواطن العراقي، استبشر الكثيرون خيراً بهذه الاعتقالات. لكن القراءة الواقعية لـ محمد زنكنة تشير إلى أن “عقدة الثقة” بين المواطن والمنظومة السياسية لا تزال قائمة، وأن المستفيد الأخير دائماً هو المواطن.
وعن انعكاس هذه الأحداث على الشارع، علق زنكنة:
“دائماً في تاريخ العراق وحاضره، المواطن هو آخر المستفيدين؛ هذه المسألة تعودنا عليها. لا يمكن أن نتوقع بأن الأموال المسروقة ستعود إلى الخزينة العراقية، ولا يمكن أن نتوقع رؤية ملائكة يحكمون العراق. بل على العكس، قد يخرج بعض المعتقلين بعد فترة ليبينوا مظلمتهم للشعب.”
وصف حالة التفاؤل الحالية بأنها “مؤقتة”:
Advertisement
“إعلامياً، المسألة واضحة جداً بأن فيها الكثير من التفاؤل، والكثير من المواطنين فرحين، ولكن هذا الفرح لا أعتقد أنه سيدوم طويلاً. الأموال قد تُنصّص (تُقاسم) كما حصل في قضايا سابقة (مثل قضية نور زهير)، أو قد تتدخل دول، أو تعود المياه إلى مجاريها بتدخلات أمريكية.”
بل إن زنكنة يرى أبعاداً سياسية أعمق قد تستغل هؤلاء المعتقلين في المستقبل:
“قد يستفيد الأمريكيون أنفسهم من المعتقلين في يوم من الأيام لبناء جسر من التوتر السياسي، كما قد يكون لبعض الأطراف السياسية دور في استقطاب هذه الشخصيات التي تم القبض عليها.”
خارطة الطريق الحقيقية لإعادة الأمل
يرى زنكنة أن ضرب الفساد عبر الاعتقالات وحدها لن يترجم على أرض الواقع ما لم يرافقه تغيير بنيوي حقيقي في إدارة الدولة، وحدد شروط عودة الأمل للمواطن العراقي في النقاط التالية:
إزالة كافة الميليشيات وتجريدها من سلطتها.
التطبيق الصارم للدستور دون انتقائية.
فتح باب الاستثمارات للمدن المنكوبة والتي تعاني من صور الفساد.
إعمار العراق وإعادة بناء شبكات المياه والكهرباء المتهالكة.
إعادة الهيبة للجواز العراقي الذي يتذيل قائمة الجوازات عالمياً.
وجود إصلاحات سياسية حقيقية وملموسة.
بين التشكيك الصريح في نواياها العميقة ونتائجها على المدى الطويل. يبقى الشارع العراقي معلقاً بين أمل رؤية محاسبة حقيقية تنهي نفوذ “حيتان الفساد”، وبين مخاوف مستمرة من أن تنتهي هذه الجلبة العسكرية والسياسية إلى تسويات خلف الكواليس تعيد إنتاج النظام ذاته وبنفس الوجوه.