هل يبدأ عصر “الموظف الرقمي”؟ شركة تستنسخ موظفًا بعد استقالته

شركة ألعاب صينية تُنشئ نسخة ذكاء اصطناعي من موظف HR بعد استقالته. تعرّف على أبرز إحصائيات الموظف الرقمي وتأثيرات الذكاء الاصطناعي على مستقبل سوق العمل.

فريق التحرير

ملخص المقال

إنتاج AI

شركة صينية تستنسخ موظفًا باستخدام الذكاء الاصطناعي لمهام الموارد البشرية، مما يثير تساؤلات حول الهوية المهنية ومستقبل العمل. هذه الخطوة تعكس اتجاهًا عالميًا نحو أتمتة وظائف الموارد البشرية، مع تباين الآراء حول الفرص والمخاطر.

النقاط الأساسية

  • شركة صينية تستنسخ موظفًا باستخدام الذكاء الاصطناعي لمهام الموارد البشرية.
  • الذكاء الاصطناعي يُحدث تحولًا كبيرًا في الموارد البشرية عالميًا، مع أتمتة المهام وتقليل التكاليف.
  • مستقبل العمل يواجه تحديات بين إزاحة الوظائف وخلق فرص جديدة، مع مخاوف العمال من الاستبدال.

في مشهد يبدو مقتبساً من أحد أفلام الخيال العلمي، فتح موظف جديد نافذة دردشة على شاشته ليجد نفسه أمام زميله السابق، لكن هذه المرة في هيئة رقمية لا تنام ولا تستقيل. هذه ليست قصة خيال، بل هي ما يجري فعلاً داخل شركة ألعاب فيديو صينية في مقاطعة شاندونغ بشمال الصين، أقدمت على استنساخ موظف في قسم الموارد البشرية بعد استقالته، ليُصبح أفاتاره الرقمي الموظف الذي لا يغادر أبداً.

القصة التي انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي الصينية بعد أن نشر موظف يُدعى “شياويو” مقطع فيديو يوثّق فيها، باتت اليوم رمزاً لمرحلة جديدة كلياً في علاقة الإنسان بالعمل، وتساؤلاً حارقاً يطرح نفسه بإلحاح: من يملك هويتك المهنية بعد أن تغادر مكتبك؟

استنساخ موظف: كيف جرى ذلك؟

لم تكن العملية اعتباطية. درّبت الشركة نظام الذكاء الاصطناعي على مجموع وثائق الموظف ومراسلاته وسير العمل التي أنجزها طوال فترة خدمته، ليستوعب أسلوبه في التواصل وطريقته في معالجة الملفات وأنماط قراراته اليومية. والنتيجة: موظف رقمي يُقدّم نفسه صراحةً في نافذة الدردشة بوصفه “مبنياً على موظف سابق”، ويضطلع بالمهام الروتينية كافة من الرد على استفسارات الموظفين، إلى جدولة المواعيد، وإعداد العروض التقديمية وجداول البيانات.

أكدت الشركة أن الموظف المعني وافق على استخدام بياناته، غير أن النظام لا يزال في مرحلة الاختبار الداخلي ولم يُطلَق بصورة كاملة حتى الآن. إلا أن هذا التحفظ التقني لم يُخمد جمر الجدل الذي اشتعل سريعاً على الشبكة، إذ وصف بعض المنتقدين الخطوة بأنها “خطوة نحو تدمير البشرية”، فيما رأى آخرون فيها تطوراً طبيعياً لعصر رقمي لا مفر منه.

ولا يقتصر القلق على البُعد الأخلاقي؛ فخبراء قانونيون صينيون نبّهوا إلى أن بيانات الموظفين، بما تشمله من رسائل وعادات وظيفية وأنماط تواصل، تُعدّ معلومات شخصية محمية بموجب قوانين حماية البيانات الصينية، مما قد يضع تجربة كهذه أمام تساؤلات قانونية جدية حتى حين تكون مصحوبة بموافقة مبدئية.

Advertisement

الذكاء الاصطناعي في الموارد البشرية: موجة تتصاعد

القصة الصينية ليست شذوذاً معزولاً في المشهد العالمي، بل هي الحلقة الأكثر إثارة في سلسلة متسارعة من التحولات تعيشها إدارات الموارد البشرية حول العالم. أتمتة الموارد البشرية لم تعد سيناريو مستقبلي، بل باتت واقعاً تعيشه كبرى الشركات العالمية اليوم.

تكشف الأرقام عن حجم التحول: فشركة IBM استبدلت بالفعل مئات موظفي HR بوكيل الذكاء الاصطناعي المسمى “AskHR”، الذي بات يتولى 94% من المهام الروتينية. وعلى صعيد أوسع، يُظهر تقرير جمعية إدارة الموارد البشرية SHRM لعام 2026 أن 19.1% من وظائف HR في الولايات المتحدة، أي ما يُعادل 393,000 وظيفة، جرت أتمتة أكثر من نصف مهامها. فضلاً عن ذلك، تُشير البيانات إلى أن الذكاء الاصطناعي يُقلّص وقت التوظيف بنسبة تصل إلى 50% ويخفّض تكاليفه بنسبة 30%.

ويُجمع المسؤولون في القطاع على أن هذا الاتجاه لن يتباطأ: فـ87% من مديري HR يتوقعون توسّع اعتماد الذكاء الاصطناعي في أعمالهم خلال عام 2026، كما أن 92% من الشركات العالمية تخطط لزيادة استثماراتها في الذكاء الاصطناعي خلال الفترة ذاتها.

أصوات القادة: فرصة أم تهديد؟

في مواجهة هذه التحولات، تتباين أصوات القادة والمختصين بين من يرى في الذكاء الاصطناعي رافعة استراتيجية، ومن يُحذّر من تداعياتها على البشر.

Advertisement

أرفيند كريشنا، الرئيس التنفيذي لشركة IBM، يضع التجربة في سياق إيجابي قائلاً: “الذكاء الاصطناعي يمنحنا المزيد من الاستثمار لوضعه في مجالات أخرى، وإجمالي توظيفنا ارتفع بالفعل”. ويدعم هذا الطرح جيمي أيتكن، نائب الرئيس لتحويل HR في شركة Betterworks، الذي يرى أن “هذه هي اللحظة للانتقال بـHR من مجموعة واجبات إدارية إلى محرك استراتيجي مدفوع بالبيانات”.

في المقابل، يُلقي جوش بيرسين، أحد أبرز المستشارين في مجال الموارد البشرية عالمياً، بتقديرات أكثر حدة وتحديداً، إذ يتوقع انخفاضاً بنسبة 20 إلى 30% في الكوادر البشرية المخصصة لكل موظف HR نتيجة التقدم المتسارع للذكاء الاصطناعي، وهو رقم يعني عملياً أن ملايين الوظائف ستُعاد هيكلتها لا تعبئتها من جديد.

مستقبل سوق العمل: بين الإزاحة والإحلال

يُعيد السؤال عن الموظف الرقمي طرح النقاش القديم-الجديد حول مستقبل سوق العمل البشري في مواجهة الأتمتة. ويُقدّم باحثو معهد MIT تقييماً تقنياً صارماً مفاده أن الذكاء الاصطناعي قادر تقنياً على أداء مهام ما يعادل 11.7% من الوظائف الأمريكية حالياً، في حين يتجاوز هذا الرقم في قطاع الموارد البشرية النسب المتوسطة بأشواط.

أما المنتدى الاقتصادي العالمي، فيُقدّم معادلة مزدوجة الوجه: 85 مليون وظيفة قد تُزاح بحلول عام 2030، في مقابل خلق ما يُقارب 170 مليون وظيفة جديدة حول العالم، مما يجعل صافي الأثر إيجابياً على الورق، لكن الأزمة الحقيقية تكمن في فجوة المهارات وسرعة التكيّف التي لن تكون متاحة بالتساوي لجميع العمال والاقتصادات.

ولعلّ الأكثر دلالة في هذا الصدد أن 51% من العمال الأمريكيين يخشون أن يحلّ الذكاء الاصطناعي محلهم بحلول 2026، وهو مؤشر نفسي واجتماعي لا يقل أهمية عن الأرقام الاقتصادية، إذ يُنبئ بأزمة ثقة تستوجب سياسات واضحة وتواصلاً صريحاً من أصحاب العمل والحكومات على حد سواء.

Advertisement

أما في السياق العربي، فرغم أن موجة الذكاء الاصطناعي في الموارد البشرية لا تزال في طور التبنّي الانتقائي، فإن دولاً رائدة كالإمارات والسعودية ضخّت استثمارات ضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ضمن رؤى طموحة تجعل التحول محتوماً في الأفق المنظور. وتُشير تقارير متعددة إلى أن قطاعات الخدمات المالية والاتصالات والتجزئة في المنطقة باتت الأكثر اندفاعاً نحو أتمتة مهام HR الروتينية، في حين تظل الفجوات في التنظيم القانوني وحماية بيانات العمال تحدياً يستدعي معالجة عاجلة.

لحظة مفصلية في تاريخ العمل البشري

تظل قصة الموظف المُستنسَخ في شاندونغ أكثر من مجرد حادثة تقنية صينية. إنها مرآة تعكس سؤالاً وجودياً تطرحه ثورة الذكاء الاصطناعي على الإنسان العامل في كل مكان: ما الذي يجعل عملك لا يمكن استنساخه؟ وما الحدود التي تفصل بين المهارة القابلة للأتمتة والقيمة الإنسانية التي لا تُعوَّض؟

حين يقول الأفاتار الرقمي في نافذة الدردشة إنه مبني على موظف سابق، فإنه لا يُعلن فقط عن تقنية جديدة، بل يطرح سؤالاً أعمق: من الذي يملك ذاكرة عملك وهويتك المهنية؟ وهو سؤال سيكون على كل موظف، في كل مكان، التفكير في إجابته قبل أن يُوقّع على عقد عمله القادم.