دراسة دولية حديثة تشير إلى أن فيروسًا «خفياً» يعيش داخل بكتيريا شائعة في الأمعاء قد يرتبط بزيادة خطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم، لكن العلماء يؤكدون أن العلاقة حتى الآن ارتباطية وليست دليلاً قاطعًا على السبب المباشر.
ما هو الفيروس الخفي في الأمعاء؟
الدراسة ركزت على بكتيريا الأمعاء المعروفة باسم «العصوانية الهشّة» أو Bacteroides fragilis، وهي بكتيريا تعيش بشكل طبيعي في أمعاء الإنسان، وتوجد لدى الأصحاء كما لدى المرضى. كان الباحثون حائرين لأن هذه البكتيريا ظهرت بكثرة في مرضى سرطان القولون، رغم أنها جزء طبيعي من ميكروبيوم الأمعاء، ما دفعهم إلى البحث عن عنصر إضافي قد يفسر هذا الارتباط. باستخدام تقنيات متقدمة للتسلسل الجيني، اكتشف الفريق فيروسًا جديدًا من فئة «البكتيريوفاج» يعيش داخل هذه البكتيريا ويستولي على خلاياها ليتكاثر، وهو فيروس لم يكن موصوفًا من قبل في الأدبيات العلمية.
كيف يرتبط الفيروس بسرطان القولون؟
في المرحلة الأولى، لاحظ العلماء وجود هذا الفيروس داخل بكتيريا العصوانية الهشّة لدى مجموعة صغيرة من مرضى سرطان القولون والمستقيم. ثم جرى توسيع العينة لتشمل 877 شخصًا من أوروبا والولايات المتحدة وآسيا، منهم مصابون بالسرطان وآخرون أصحاء، وتبيّن أن مرضى سرطان القولون والمستقيم كانوا أكثر عرضة بنحو الضعف لحمل هذا الفيروس داخل بكتيريا أمعائهم مقارنة بغير المصابين. هذه النتائج تشير إلى ارتباط إحصائي قوي، لكنها لا تثبت أن الفيروس هو الذي يسبّب السرطان، بل قد يكون «علامة» على تغيّر أعمق في بيئة الأمعاء.
هل يعني ذلك أن الفيروس يسبّب السرطان؟
الباحثون حذرون في تفسير النتائج؛ إذ يؤكدون أن الدراسة تكشف ارتباطًا فقط، ولا تُظهر علاقة سببية مباشرة حتى الآن. فريق البحث يجري حاليًا تجارب مخبرية ودراسات على الحيوانات لمعرفة ما إذا كان الفيروس يغيّر سلوك البكتيريا بطريقة قد تعزز الالتهاب أو إنتاج سموم تهيئ لحدوث السرطان في بطانة الأمعاء. من المعروف أن نحو 80% من خطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم يرتبط بعوامل بيئية، من بينها تركيب ميكروبيوم الأمعاء، ما يجعل فهم تفاعل البكتيريا مع الفيروسات داخلها خطوة مهمة لفهم المرض.
ماذا يمكن أن يترتب على هذا الاكتشاف؟
يرى الباحثون أن هذا الفيروس قد يصبح مستقبلاً «مؤشرًا حيويًا» يمكن رصده في فحوص غير جراحية، مثل تحليل عينات البراز، للمساعدة في تحديد الأشخاص الأكثر عرضة لخطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم. مع مزيد من الأبحاث، قد يتيح هذا المؤشر تطوير اختبارات مبكرة للسرطان أو حتى علاجات تستهدف البكتيريا المصابة بالفيروس أو الفيروس نفسه إذا ثبت أنه يلعب دورًا في نشوء المرض. غير أن العلماء يشددون على أن هذه التطبيقات ما تزال في مراحل مبكرة، وأن ترجمة الاكتشاف إلى أداة تشخيصية أو علاجية قد تستغرق سنوات من العمل البحثي.
ماذا يعني ذلك للأشخاص العاديين الآن؟
رغم أهمية الاكتشاف علميًا، فإنه لا يغيّر التوصيات الحالية للوقاية من سرطان القولون، التي تركز على:
الالتزام بالفحوص الدورية لسرطان القولون بدءًا من العمر الذي توصي به الإرشادات المحلية.
اتباع نظام غذائي غني بالألياف، وتقليل اللحوم الحمراء والمصنّعة.
الحفاظ على وزن صحي، وممارسة النشاط البدني بانتظام.
الامتناع عن التدخين وتقليل استهلاك الكحول.
ويرى الباحثون أن فهمنا لميكروبيوم الأمعاء يتطور بسرعة، وأن التركيز لن يكون فقط على «من» يعيش في أمعائنا من بكتيريا، بل أيضًا على الفيروسات التي تعيش داخل هذه البكتيريا وكيفية تفاعلها معها، وهو مجال قد يحمل مفاتيح جديدة للوقاية والعلاج في المستقبل.




