في عالم تتسارع فيه التطورات التكنولوجية وتتزايد فيه التحديات العالمية، تقف دولة الإمارات العربية المتحدة كنموذج رائد في بناء أنظمة تعليمية مرنة قادرة على التكيف مع المستقبل. لم يعد الحديث اليوم يقتصر على مجرد إدخال الحواسيب إلى الفصول الدراسية، بل تجاوز ذلك نحو دمج الذكاء الاصطناعي لبناء منظومة تعليمية متكاملة ومترابطة.
في لقاء خاص، كشف طارق جندي، الرئيس التنفيذي لشبكة “عنكبوت” (الشبكة الوطنية المتقدمة للتعليم والبحوث في الإمارات)، عن الرؤية الطموحة لدولة الإمارات في قطاع التعليم، وكيف يلعب الذكاء الاصطناعي دوراً محورياً في هذا التحول الجذري.
من الاستهلاك التكنولوجي إلى تصدير المعرفة
أكد جندي أن طموح الإمارات يتخطى مجرد استخدام التكنولوجيا؛ فالهدف الاستراتيجي هو التحول إلى دولة منتجة ومصدرة للمعرفة والابتكار. ويقول: “الأمر لا يتعلق بتمويل مراكز البيانات الضخمة فحسب، بل بإنشاء منظومة شاملة تربط الجامعات بالحكومة والقطاع الخاص. عندما نطور نموذجاً ناجحاً للذكاء الاصطناعي يحل مشكلة حقيقية، يمكننا حينها تصدير هذا النظام التكنولوجي المتكامل إلى العالم، تماماً كما نصدر المواهب اليوم”
السر يكمن في “البيانات الموحدة” وليس الأدوات فقط
غالباً ما ينحصر الحديث عن الذكاء الاصطناعي في النماذج اللغوية والأدوات الذكية، لكن جندي يرى أن التحدي الحقيقي يكمن في البنية التحتية. ويشير إلى أن العديد من المؤسسات التعليمية تعاني من تشتت الأنظمة والبيانات، مما يحد من فعالية الذكاء الاصطناعي.
الحل الذي تقوده “عنكبوت” يتمثل في العودة إلى الأساسيات: كسر الحواجز بين التطبيقات المختلفة، وبناء منصة بيانات موحدة. هذا الترابط هو ما يسمح للذكاء الاصطناعي بتقديم تحليلات لحظية، وتوفير تجربة تعليمية مخصصة لكل طالب، والتنبؤ الدقيق بمعدلات النجاح، وضمان مواءمة المخرجات التعليمية مع متطلبات سوق العمل
وداعاً للتعليم 1.0.. ومرحباً بـ “التعليم 2.0”
هل ستتغير صورة المعلم الذي يقف أمام الطلاب في الفصل؟ يجيب جندي بأن هذا التغيير يحدث بالفعل. نحن ننتقل من “التعليم 1.0” الذي يركز فقط على منح الشهادات، إلى “التعليم 2.0” الذي يركز على رحلة التعلم المستمر والمهارات العملية.
مع ابتكارات مثل “المعلم الافتراضي” (AI Tutor)، لن يضطر الأساتذة لإضاعة وقتهم في الشرح التقليدي للمناهج، بل سيتمكن الطلاب من استيعاب المحتوى ذاتياً عبر أدوات الذكاء الاصطناعي، ليتفرغ المعلم لتوجيه الطلاب، وإدارة المشاريع، وتعزيز التعاون.
يترافق ذلك مع مفهوم “الحرم الجامعي الذكي”؛ حيث لا يقتصر الذكاء الاصطناعي على المناهج، بل يمتد لإدارة استهلاك الطاقة، وتحسين استغلال المساحات، وتعزيز الأمان، كل ذلك عبر تطبيق رقمي فائق (Super App) يجمع احتياجات الطالب والمعلم والإدارة في واجهة واحدة سلسة.
السيادة الرقمية: حجر الأساس للثقة
مع دخول الذكاء الاصطناعي بقوة إلى قطاع التعليم، تبرز مخاوف منطقية حول الخصوصية وأمان بيانات الطلاب. وهنا يبرز الدور الحاسم لـ “الحوكمة”.
يوضح جندي: “الابتكار الذي يسبق الحوكمة يشكل خطراً. لتخفيف هذه المخاطر، نستثمر في بناء بنية تحتية سحابية سيادية ووطنية موثوقة (Sovereign Cloud). هذا لا يهدف إلى إبطاء الابتكار، بل لحمايته وجعله مستداماً. بدون حوكمة وإدارة سليمة للبيانات، لن تكون نتائج الذكاء الاصطناعي موثوقة”.
على مدار الأشهر الثمانية عشر القادمة، تخطط شبكة “عنكبوت” لترسيخ مكانتها كمزود الخدمات التكنولوجية التعليمية (EdTech) الأول في الإمارات، مع خطط طموحة للتوسع الإقليمي والعالمي عبر عمليات الاستحواذ ونقل هذه المنظومة الناجحة إلى قطاعات أخرى كالصحة.
لقد بدأت ثورة التعليم، وفي الإمارات، لا يتم فقط التكيف مع هذه الثورة، بل تُصنع أدواتها وقواعدها للمستقبل.




