في تطور لافت بأسواق الطاقة العالمية، أعلنت دولة الإمارات انسحابها من منظمة “أوبك” وتحالف “أوبك+” اعتباراً من مطلع مايو المقبل، في خطوة تعكس مراجعة استراتيجية لسياسات الإنتاج والأهداف المستقبلية المرتبطة بالطاقة الاستيعابية. وبينما أثار القرار تساؤلات واسعة حول انعكاساته على أسعار النفط والأسواق العالمية، أكد خبراء أن تأثيره الفوري سيبقى محدوداً، مع ترقب لما قد يحمله على المدى المتوسط والبعيد.
وفي مقابلة خاصة مع حمزة دويك، رئيس قسم التداول لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في “ساكسو بنك”، أوضح أن الخطوة تمثل إعادة تموضع استراتيجية أكثر من كونها تحولاً مفاجئاً في سياسة الإمدادات، مشيراً إلى أن قوة الاقتصاد الإماراتي وتنوعه يمنحان الدولة مرونة كبيرة في إدارة المرحلة المقبلة.
وقال حمزة من منظور الأسواق العالمية، أثار هذا الإعلان حالة من عدم اليقين على المدى القصير، إلا أنه لم يؤدِّ إلى إعادة تسعير حادة للنفط؛ إذ استمر تداول الخام حول مستوى 100 دولار للبرميل عقب صدور الأنباء، ما يشير إلى أن الأسواق لا تتوقع تدفقاً مفاجئاً ومفاجئاً للإمدادات. ويعود ذلك إلى أن إنتاج الإمارات الحالي يتراوح بين 3.2 و3.3 مليون برميل يومياً، وهو ما يقل كثيراً عن طاقتها التقنية القصوى، فضلاً عن امتلاك الدولة سجلاً حافلاً بالانضباط والشفافية في إدارة مستويات الإنتاج وتدرجها.

والأهم من ذلك، أن الإمارات ركزت استثماراتها على مدار سنوات لتعزيز طاقتها المستقبلية بدلاً من التركيز على رفع الأحجام الفورية؛ حيث تهدف الدولة إلى رفع سعة الإنتاج المستدامة إلى نحو 5 ملايين برميل يومياً بحلول عام 2027، مقارنة بنحو 4.9 مليون برميل حالياً. ويمنح الخروج من “أوبك+” الإمارات مرونة أكبر لمواءمة قرارات الإنتاج مع هذه الدورة الاستثمارية الطويلة، لكنه لا يعني بالضرورة ضخ هذه الطاقة الفائضة في السوق بشكل فوري.
وأكد دويك أنه على المدى القريب، من المرجح أن ينحصر التأثير السعري في جانب “التوقعات” بدلاً من “العوامل الأساسية”؛ ففي ظل بلوغ الطلب العالمي على النفط ما يزيد قليلاً عن 102 مليون برميل يومياً، تظل الإمدادات محكومة بمزيج من المخاطر الجيوسياسية، وقيود الشحن، وهوامش التكرير. وفي هذا السياق، يظل موقف الإنتاج الإماراتي مجرد متغير واحد من بين متغيرات عدة تشكل اتجاهات الأسعار.
أما بالنسبة لسكان دولة الإمارات، فمن المتوقع أن يكون الأثر الاقتصادي المباشر محدوداً؛ إذ أصبح اقتصاد الدولة اليوم أقل اعتماداً على العائدات النفطية عما كان عليه في العقود السابقة، حيث تشكل القطاعات غير النفطية نحو ثلاثة أرباع الناتج المحلي الإجمالي. كما أن أسعار الوقود في الدولة مرتبطة بالفعل بالمعايير العالمية، ما يعني أن الأسعار المحلية ستظل تعكس تحركات السوق الدولية بغض النظر عن العضوية في المنظمة. كما تساهم القوة المالية العامة والاحتياطيات السيادية الضخمة في حماية الاقتصاد الكلي من تقلبات الأسعار قصيرة المدى.
وفيما يتعلق بأسعار المستهلكين، لا توجد حتى الآن مؤشرات على ضغوط تضخمية واسعة النطاق ناتجة مباشرة عن قرار الانسحاب؛ فالضغوط السعرية العالمية تظل مرتبطة بتكاليف الشحن، وأقساط التأمين، والتطورات الجيوسياسية، أكثر من ارتباطها بتغيير في المعروض الإماراتي وحده. كما استقرت وفرة السلع الأساسية في الدولة بفضل سلاسل الإمداد المتنوعة والمخزونات الاستراتيجية القوية.
وبشكل عام، ينبغي النظر إلى قرار الإمارات بالانسحاب من “أوبك+” كعملية “إعادة ضبط” استراتيجية وليست قطيعة؛ حيث تعكس هذه الخطوة الثقة في القدرات الإنتاجية للدولة، ومتانة وضعها المالي، وتنوع اقتصادها. وبالنسبة للأسواق العالمية، يضيف القرار بعداً جديداً للتحليل حول المعروض المستقبلي، لكنه لا يغير التوازن الحالي بشكل جذري، ومن المرجح أن يكون وقعه على المستهلكين محلياً ودولياً تدريجياً ومدروساً بعيداً عن أي اضطرابات مفاجئة.




