نجح فريق من الباحثين في تطوير نسخة مطورة ومعدلة من تقنية تحرير الجينات الشهيرة “كريسبر” (CRISPR). وتشير النتائج الأولية للتجارب المخبرية إلى أن هذه الأداة قد تملك القدرة على “إبطال” مفعول الكروموسوم الإضافي المسؤول عن الإصابة بمتلازمة داون، مما يفتح آفاقاً جديدة في الأبحاث العلاجية لهذا الاضطراب الجيني.
التحدي البيولوجي لمتلازمة داون
يُولد المصابون بمتلازمة داون بنسخة ثالثة زائدة من الكروموسوم رقم 21، ليصل إجمالي الكروموسومات في خلاياهم إلى 47 بدلاً من العدد الطبيعي البالغ 46. وأوضح الدكتور “فولني شين”، قائد الدراسة من مركز “بيث إسرائيل ديكونيس الطبي” في بوسطن، أن هذه النسخة الإضافية تتسبب في تعطيل توازن عدد كبير من الجينات، وهو ما يساهم مباشرة في حدوث الإعاقة الإدراكية وزيادة مخاطر الإصابة المبكرة بمرض ألزهايمر.

إبطال الكروموسوم كحل جذري
ويرى الدكتور شين أن استهداف الكروموسوم بأكمله هو الاستراتيجية المثلى، نظراً لصعوبة تحديد أي من مئات الجينات الموجودة على الكروموسوم 21 هي المسؤولة تحديداً عن الأعراض المرضية. وتعتمد فكرة البحث على محاكاة آلية طبيعية تحدث لدى الإناث، حيث يقوم جين يسمى (XIST) بإسكات الكروموسوم (X) الزائد في الخلايا الأنثوية، وافترض العلماء أن دمج هذا الجين في الكروموسوم 21 الزائد سيؤدي إلى تعطيله بنفس الطريقة.
تجاوز العقبات التقنية المعقدة
واجه العلماء سابقاً قيوداً تقنية أدت لفشل محاولات دمج جين “إكسيست” (XIST) في الكروموسوم المستهدف. وأشار الدكتور شين إلى أن التحدي الأكبر يكمن في ضرورة إدخال الجين في نسخة واحدة فقط من النسخ الثلاث للكروموسوم 21، وضمان حدوث ذلك في أكبر عدد ممكن من خلايا الجسم لضمان فعالية العلاج.
نتائج واعدة وكفاءة مضاعفة
وفقاً للتقرير الذي نشرته مجلة “وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم” (PNAS)، استطاعت نسخة “كريسبر” المعدلة التي طورها الفريق تعزيز دمج جين “إكسيست” في الكروموسوم الإضافي بمعدل يصل إلى 30 ضعفاً مقارنة بالنهج التقليدي. هذا التفوق التقني يمثل خطوة كبرى نحو تحويل الفرضيات العلمية إلى واقع تطبيقي ملموس.

مستقبل التقنية وآراء الخبراء
على الرغم من هذا النجاح، لا تزال التقنية في مراحلها الاختبارية المعملية (على مستوى الخلايا). وعلق الدكتور “ريوتارو هاشيزومي” من مستشفى جامعة “ميي” في اليابان، الذي لم يشارك في الدراسة، بأن الاستراتيجية “واعدة للغاية” وتمثل إثباتاً مهماً للمفهوم العلمي، مؤكداً أن تعزيز كفاءة إدخال الجينات يعد إنجازاً حيوياً، وإن كان الطريق لا يزال يتطلب مزيداً من البحث قبل الانتقال للتطبيق السريري.




