نفق أسفل أبو الهول يفتح باباً واسعاً للجدل العلمي، بعد أن كشف فريق من الباحثين الإيطاليين عن نتائج مسح جيولوجي يدعي وجود ممر عمودي ضخم يؤدي إلى غرفتين كبيرتين على أعماق سحيقة تحت تمثال أبو الهول في الجيزة. وبينما يعتبر الفريق أن هذا الاكتشاف قد يغيّر فهمنا لتاريخ مصر القديمة، تقابله الأوساط الأكاديمية بالتشكيك والرفض، مطالبة بأدلة ملموسة ومراجعة علمية دقيقة قبل قبول مثل هذه الادعاءات غير المسبوقة.
يتألف الفريق من البروفيسور كورادو مالانجا من جامعة بيزا، والدكتور فيليبو بيوندي من جامعة ستراثكلايد، وعالم المصريات أرماندو مي. استخدم الفريق تقنية تُعرف بالتصوير المقطعي الراداري دوبلر، وهي تعتمد على إرسال موجات رادارية وتحليل ارتدادها لتكوين خرائط ثلاثية الأبعاد للهياكل المدفونة. كشفت نتائج المسح عن وجود عمود رأسي محاط بدرج حلزوني يمتد من قاعدة التمثال إلى هيكلين مربعين يقع أحدهما على عمق كبير. وتشير البيانات إلى أن الغرفتين كبيرتان، بطول وعرض متقارب، ويربط بينهما الممر العمودي المكتشف.
نفق أسفل أبو الهول: مثير للجدل
أشار الباحثون إلى أن هذا الاكتشاف يدعم نظرية وجود مدينة واسعة تحت الأرض أسفل الهضبة، وهو ما قد يعيد كتابة تاريخ مصر القديمة. وادّعى الفريق وجود تكوينات مشابهة تحت الأهرامات الثلاثة الكبرى، مما يدل على تصميم معماري موحد سابق للعصر الفرعوني. وربط الباحثون نتائجهم بالنصوص المصرية القديمة، وتحديداً الفصل 149 من كتاب الموتى، الذي يشير إلى أربعة عشر مسكناً في مدينة الموتى، معتبرين أن ما اكتشفوه قد يكون جزءاً من عالم أمنتي الأسطوري. كما أشاروا إلى احتمال وجود قاعة السجلات التي يُعتقد أنها تحتوي على معرفة ضائعة من حضارات قديمة.
الرد الرسمي على النفق
واجه الاكتشاف اعتراضات شديدة من علماء الآثار والجيولوجيا. الدكتور زاهي حواس، عالم الآثار المصري ووزير الآثار الأسبق، وصف النتائج بأنها أخبار كاذبة، مشيراً إلى أن التقنيات المستخدمة غير معتمدة علمياً ولا يمكن التحقق منها. أوضح حواس أن قاعدة هرم خفرع نُحتت من الصخور الصلبة، ولا توجد دراسات علمية تدعم وجود أعمدة تحت هذه القاعدة. كما أكد أن وزارة السياحة والآثار لم تصدر تصاريح لأي أعمال من هذا النوع، ما يثير تساؤلات حول قانونية النشاط العلمي المذكور.
تشكيك الخبراء في التقنية المستخدمة
شكك البروفيسور لورانس كونيرز، خبير الرادار في جامعة دنفر، في قدرة التقنية على الوصول إلى هذه الأعماق. وأوضح أن الرادار لا يخترق عادة الحجر الجيري لأكثر من بضعة أقدام، وبالتالي فإن اكتشاف غرف على أعماق كبيرة يبدو مستحيلاً بالتقنيات الحالية. وصف كونيرز فكرة وجود مدينة تحت الأرض بأنها مبالغة كبيرة، مشيراً إلى أن وجود هياكل صغيرة أمر ممكن، لكن المدينة المزعومة تفتقر إلى الأدلة. وأكد أن السبيل الوحيد للتحقق هو إجراء حفريات ميدانية دقيقة.
مخاوف من عدم المراجعة العلمية
أثار غياب المراجعة العلمية للدراسة قلقاً في الأوساط الأكاديمية، حيث لم تخضع النتائج لتدقيق مستقل. وأشار الخبراء إلى أن الاعتماد على تفسيرات لبيانات رادارية دون دليل مادي ملموس يضعف مصداقية النتائج، خصوصاً أن الفريق يخطط لنشر الدراسة رسمياً في عام لاحق.
تأتي هذه الادعاءات في ظل تاريخ طويل من النظريات المثيرة حول الأهرامات. لطالما ادّعت بعض الأبحاث وجود ممرات وغرف خفية تحت الهضبة، لكن معظمها لم يحظ بدعم علمي. تم بالفعل اكتشاف فجوات صغيرة باستخدام تقنيات حديثة مثل التصوير بالميونات، لكنها لا تقارب حجم المدينة المشار إليها.
نفق أسفل أبو الهول: التوقعات
يبقى هذا الاكتشاف المزعوم موضع جدل علمي كبير، حيث تتقاطع الادعاءات المثيرة مع شكوك مهنية وعلمية واسعة. وبينما يصر الفريق البحثي على صحة ما توصل إليه، تطالب الأوساط الأكاديمية بالتزام صارم بالمنهج العلمي قبل قبول مثل هذه النظريات. حتى يتم تقديم أدلة قابلة للتحقق ومراجعة علمية موثقة، تبقى فكرة المدينة المدفونة تحت هضبة الجيزة مجرد نظرية تفتقر إلى الإثبات، وتعيد التذكير بأن علم الآثار لا يُبنى على الإثارة بل على الأدلة والتحقق.




