تعرف على ناطحات السحاب الخشبية.. هل يصبح الخشب بديلاً للخرسانة في المدن الحديثة؟

تتجه مدن العالم نحو ناطحات سحاب خشبية تستخدم الأخشاب المعالجة بدلاً من الخرسانة التقليدية، لتقليل الانبعاثات الكربونية وتحقيق مبانٍ أكثر استدامة دون التضحية بالأمان أو المتانة.

فريق التحرير

ملخص المقال

إنتاج AI

تستكشف ناطحات السحاب الخشبية، المبنية من الأخشاب الكتلية، بديلاً مستداماً للخرسانة والفولاذ، مما يقلل الانبعاثات الكربونية ويخزن الكربون. على الرغم من مخاوف الحريق، تظهر التقنيات الحديثة قدرتها على التحمل، مع تعديل أكواد البناء للسماح بارتفاعات أكبر. ومع ذلك، من غير المرجح أن يحل الخشب محل الخرسانة بالكامل، بل سيكون جزءاً من مزيج مواد متنوع في مستقبل البناء.

النقاط الأساسية

  • ناطحات السحاب الخشبية تستخدم تقنيات الأخشاب الكتلية لتقليل الانبعاثات الكربونية.
  • تتميز المباني الخشبية بخفة الوزن، تخزين الكربون، وسهولة التركيب وإعادة التدوير.
  • تتطلب المباني الخشبية تحديث الأكواد وتدريب المختصين لمواجهة تحديات السلامة والمتانة.

في وقت تبحث فيه المدن حول العالم عن حلول أكثر استدامة للبناء، بدأت ناطحات السحاب الخشبية تفرض نفسها كأحد أكثر الاتجاهات الهندسية جرأة وإثارة للنقاش. مبانٍ شاهقة بواجهات دافئة ومواد طبيعية، لكن خلف مظهرها المختلف تقف تقنيات هندسية متقدمة تعتمد على ما يعرف بـ«الأخشاب الكتلية» أو الأخشاب الهندسية، في محاولة لتقليل الاعتماد على الخرسانة والصلب كثيفَي الانبعاثات الكربونية.

ما هي ناطحات السحاب الخشبية؟

تعتمد ناطحات السحاب الخشبية على استخدام عناصر خشبية مصنَّعة ضخمة، تُعرف باسم الأخشاب الكتلية، بدلاً من الأعمدة والعوارض الخرسانية أو الفولاذية التقليدية.
وتُنتَج هذه العناصر عبر تجميع طبقات متعددة من الخشب الملصوق أو المسمّر أو المصفَّح، لتكوين كتل إنشائية كبيرة ذات قدرة عالية على التحمل والاستقرار، مع المحافظة على وزن أقل بكثير من الخرسانة.
ويشرح مهندسون إنشائيون أن هذه التقنية تسمح ببناء مبانٍ متوسطة ومرتفعة الطوابق، مع إمكانية دمج الخشب مع قدر من الفولاذ والخرسانة في الأدوار السفلية أو النوى المركزية، لتحقيق أداء إنشائي أعلى.

شهدت دول أوروبية وأمريكية خلال الأعوام الأخيرة مشاريع بارزة لناطحات سحاب خشبية، من بينها مبانٍ بارتفاعات تجاوزت 18 طابقاً بعد تعديل أكواد البناء في عدد من الدول للسماح باستخدام الأخشاب الكتلية في المباني العالية.
وفي السويد، على سبيل المثال، يجري التخطيط لمدينة خشبية تضم مباني شاهقة ومكاتب ومنازل على مساحة تصل إلى مئات الآلاف من الأمتار المربعة، في مشروع يروَّج له على أنه نموذج لمدينة صديقة للبيئة.

مزايا بيئية وهندسية لافتة

يرى باحثون في تغير المناخ أن التحول من الخرسانة والصلب إلى الخشب في جزء من مباني المدن يمكن أن يساهم في خفض الانبعاثات المرتبطة بقطاع البناء بشكل ملحوظ، نظراً إلى أن إنتاج الأسمنت والصلب من أكثر الصناعات إطلاقاً لثاني أكسيد الكربون.
وتشير دراسة من معهد «بوتسدام» لأبحاث تأثير المناخ إلى أن بناء مدن بهياكل خشبية بدلاً من الخرسانة قد يوفر مئات المليارات من الأطنان من الانبعاثات خلال العقود المقبلة، إذا ما تَمَّت إدارة الغابات بشكل مستدام.
كما يوضح خبراء أن الأخشاب المصمَّمة هندسيًّا تخزن الكربون الممتص خلال فترة نمو الأشجار، ما يحول المباني الخشبية إلى «مخازن كربون» طويلة الأجل داخل المدن.

Advertisement

من الناحية العملية، يتميز الخشب المعالج بخفة وزنه، الأمر الذي يقلل الأحمال على الأساسات ويسهل النقل والتركيب، ويسرِّع وتيرة التنفيذ مقارنة بالبناء الخرساني التقليدي.
كما يتيح الخشب مرونة أكبر في التصميم وإمكانية التفكيك وإعادة الاستخدام أو إعادة التدوير، بخلاف كثير من مكوّنات المباني الخرسانية التي تتحول إلى مخلفات يصعب الاستفادة منها.

ماذا عن الحريق والمتانة؟

لطالما كان عامل السلامة من الحرائق أبرز مخاوف استخدام الخشب في المباني المرتفعة، إذ ارتبط في الأذهان بسهولة الاشتعال وسرعة الاحتراق.
إلا أن المهندسين يشيرون إلى أن الأخشاب الكتلية السميكة تتصرف بشكل مختلف عن القطع الخشبية التقليدية، إذ تتكوَّن على سطحها طبقة متفحمة تبطئ انتقال النار إلى الطبقات الداخلية وتحافظ على قدرة العنصر الإنشائي على التحمل لفترة أطول.
وقد أظهرت اختبارات قياسية أن عناصر الخشب الكتلي يمكن تصميمها لتحقيق متطلبات مقاومة الحريق المطبقة على المباني العالية، شريطة الالتزام بالتفاصيل الإنشائية وأنظمة العزل والحماية.

نتيجة لهذه التجارب، قام المجلس الدولي لكودات البناء في 2021 بتحديث نموذج كود البناء للسماح باستخدام الأخشاب الكتلية في مبانٍ يصل ارتفاعها إلى 18 طابقاً، مع إمكانية الذهاب إلى ارتفاعات أكبر ضمن أنظمة هجينة تجمع الخشب مع مواد أخرى.
ومع ذلك، تؤكد جهات تنظيمية أن تعميم هذه النماذج يحتاج إلى تحديثات محلية في الأكواد الوطنية، إضافة إلى تدريب واسع للمصممين والجهات الرقابية على هذه التقنيات الجديدة.

هل يمكن للخشب أن يحل محل الخرسانة بالكامل؟

رغم الحماس الكبير حول ناطحات السحاب الخشبية، يتفق كثير من الخبراء على أن الخشب لن يكون بديلاً كاملاً عن الخرسانة والصلب في المدن الحديثة، بل جزءاً من مزيج أوسع من المواد.
فالارتفاعات الشاهقة جداً ما زالت تحتاج إلى حلول إنشائية تعتمد على الفولاذ والخرسانة في أجزاء من المبنى، إلى جانب أن التوسع الكبير في البناء الخشبي يتطلّب إدارة صارمة للغابات لمنع الإفراط في قطع الأشجار.
كما يلفت معماريون إلى أن معظم المشاريع الحالية تركز على مبانٍ متوسطة إلى مرتفعة الارتفاع، بينما تبقى ناطحات السحاب الخشبية بالمعنى الحرفي ظاهرة محدودة وتجريبية في عدد من المدن.

Advertisement

في المقابل، تتزايد الابتكارات في مجال المواد الخشبية المعاد تدويرها، مثل مواد إنشائية طُوِّرت في الإمارات من خشب معاد تدويره لتحل محل الخرسانة في بعض تطبيقات البناء المستدام، ما يفتح الباب أمام استخدام أوسع للخشب في منطقتنا أيضاً.
ومع استمرار تطوير تقنيات المعالجة والأنظمة الذكية لمراقبة الأداء، يرى باحثون أن البناء بالأخشاب المعالجة قد يتحول إلى خيار رئيسي في مشاريع «المدن الذكية» و«المباني الخضراء» خلال السنوات المقبلة.

مستقبل المدن بين الخشب والخرسانة

بين من يرى في ناطحات السحاب الخشبية ثورة خضراء قادرة على إعادة تشكيل أفق المدن، ومن يحذر من مبالغة في الرهان على مادة عضوية ضمن بيئات حضرية شديدة التعقيد، يبدو أن المستقبل سيحمل نموذجاً وسطاً يستفيد من مزايا كل مادة في المكان المناسب.
فالخشب، بقدر ما يقدِّم من فوائد بيئية وجمالية، يواجه تحديات تتعلق بالتكلفة، وسلاسل التوريد، والأكواد، والحاجة إلى خبرات متخصصة، بينما تظل الخرسانة حاضرة بقوة في البنى التحتية الكبرى والأبراج فائقة الارتفاع.
لكن المؤكد أن النقاش حول «مدن من الخشب بدلاً من الخرسانة» لن يهدأ قريباً، مع سعي الحكومات والقطاع الخاص إلى خفض البصمة الكربونية، وإعادة التفكير في شكل المدن التي نريد أن نعيش فيها خلال العقود المقبلة.